ماهو الثوب في اللباس الاسلامي وعلى زمن الرسول محمد؟

  اللباس في الاسلام

الثوب 

«الثوب : اللباس، واجد الأثواب والثياب، والجمع أثوب .. وأثواب وثياب».

 وفي الذكر الحكيم جاءت الإشارة إلى الثوب في مواضع منها، قوله تعالى : وعليهم ثياب سندس خضر وإستبرق [الإنسان/۲۱]

وقوله : ويلبسون ثياب خضر من سندس وإستبرق [الكهف/ ۳۱]

 وقوله : وثيابك فطهر [المدثر/41]

وقوله : وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة» [النور / ۵۸]

 وقوله : وليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن [النور ا /60].

 ويظهر من التعريف اللغوي ومن نصوص القرآن أنه ليس المقصود بالثياب نوعاً من اللباس مخصوصا کالبرد أو الإزار مثلا، فالمراد بالثياب أي شيء من اللباس ستر الجسد، فإذا استقام هذا المعنى فكل شيء وضع على بدن الإنسان وواری عورته فهو ثوب.

أما في مصادر الدراسة فقد جاء أن رسول الله ؟ قال : «ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته ، سوى ثوبي مهنته» :  بالثوبين هنا يا ترى؟ هل يمكن أن يكونا شيئا آخر سوى الرداء والإزار؟ أو ما يقوم مقامهما من أنواع اللباس الأخرى كالبردة مثلا؟

إن الباحث في موضوع الثوب بالذات قد يكرر بعض المعلومات إلا أنه لا مناص من الحديث عن الثوب كواحد من مسميات اللباس التي جاءت في كتب الحديث النبوي الشريف، وما دام الأمر كذلك فلا غرابة إذا لاحظنا غزارة المادة الموجودة عن الثوب في مصادر هذه الدراسة، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف، قوله :

«البسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب» .

 ويقول أبو ذر رضي الله عنه : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض .

ومع أن النبي لا يرغب أصحابه باللباس الأبيض أو الثوب الأبيض، فقد دلت الروايات على أنه لبس غير ذلك من الألوان کالأخضر مثلا، حيث جاء عن أحد أصحابه قوله : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أخضران .

 ولكن هناك بعض الألوان التي نفر منها رسول الله ، وحث أصحابه من الرجال على عدم اتخاذها مثل المصبوغ بالعصفر، أو الأصفر الضارب إلى الحمرة والمفدم وهو المشبع بالعصفر ، كل هذه الألوان وما في درجتها حذر النبي و أصحابه من اتخاذها وفي نفس الوقت لم ير بها بأساً للنساء.

وبعض الثياب في العهد النبوي كانت ذات تصاویر، ولم يكن هذا النوع محبباً لرسول الله ، فكان شديد النفور منه، وقد جاء في رواية عن عائشة رضي الله عنها، أنه كان لها ثوب فيه تصاویر .. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه . فقال : أخريه عني» قالت: فأخرته فجعلته وسائد.

 ومن الثياب التي نهى عنها رسول الله ، الثياب القسية، وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو مصر مضلعة فيها حرير أمثال الأترج . وربما كانت علة النهي النبوي عن هذه الثياب هو وجود الحرير في صناعتها.

ومن حسن الحظ أن المصادر التي بين أيدينا لا تنسى في بعض الأحوال أن تذكر الأماكن التي تأتي منها الثياب إلى مدينة رسول الله ، وهذا بالطبع يتيح للمرء المجال لتصور حركة التجارة في شبه الجزيرة العربية وغيرها من البلاد.

فمثل ما أشارت إليه المصادر إلى مدينة القس في مصر التي تنسب إليها الثياب القسية، فإن بعض النصوص تکاد توحي بأن قطر من مصادر الثياب .

وقد جاء في رواية لأحد بني سليط أنه مر على رسول الله ، وهو قاعد على باب مسجده وعليه ثوب له قطر، ليس عليه ثوب غيره . ووفي رواية لعائشة رضي الله عنها تشير فيها إلى عمان وقطر أنها من البلاد المصنعة للثياب حيث تقول: كان على رسول الله ، ثوبان عانيان أو قطریان، فقالت له: أن هذين ثوبان غليظان توشح فيها فيثقلان عليك .. .

واليمن ذات الصيت الذائع في صناعة اللباس أشهر من أن تذكر ، وحين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلم بالغ دیناراً أو عدله من المعافري، والمعافري، ثياب تكون في اليمن .

 وحين نذكر اليمن لا ننسى نجران، فإنها ذات سمعة عريضة بثيابها النجرانية .

وكان للشام كذلك نصيبها من صناعة الثياب، وقد جاء في رواية أن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنها، اشترى ثوباً شامياً، فرأى فيه خيطا أحمر فرده.

والثياب تصنع من مواد شتى، منها الخز، فقد لبس أبو أيوب الأنصاري، رضي الله عنه ، ثوب خز أغبر ، ويصنع الثوب من الحرير ، فقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن أكیدر دومة الجندل،. أهدي إلى النبي و ثوب حریر ، فأعطاه عليا، فقال : «شققة خمرا بين الفواطم» . كما أن بعض الثياب تعمل من الكتان، وتعرف بالممشقة . وقد لبس أبو هريرة رضي الله عنه، ثوبين ممشقين من كتان .

وبعض ثياب الكتان تعرف بالرازقية . ففي رواية أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه يقول : تزوج رسول الله  أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك. فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين .

 ومن أنواع الثياب كذلك ثياب العصب ، وغالبا تأتي من اليمن . وقد نهى النبي و المرأة الحادة أن تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب . ومنها أيضا الثياب الممصرة، وأشار الرسول ملة إلى الثوب الممصر في وصفه لنبي الله عيسى عليه السلام حين قال : «… عليه ثوبان محصران، كأن رأسه يقطر..».

ومن بعض الروايات يستدل على أن الثياب لم تكن في متناول الجميع، فالذي يجد الإزار قد لا يجد الرداء.

 ولهذا حين سئل النبي ، عن الصلاة في الثوب الواحد قال: «أوكلكم يجد ثوبين».

وقد جاء رجل يوم الجمعة بهيئة بذّة والنبي يخطب .. وحث النبي الناس على الصدقة فألقوا ثيابا فأعطاه منها ثوبين .

 وجاء رجل إلى المدينة ليعلن إسلامه أمام رسول الله ، وكان عليه ثوب إذا غطى به وجهه خرجت استه، وإذا غطى استه خرج وجهه وهو يكره أن يعرف حتى أتى المدينة  وقالت إحدى الصحابيات : يارسول الله إنه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه فكيف أصنع؟ فقال : «إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه» .

وحتى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لم يكن لها في بعض الأحوال سوى ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، أزالته . ولكن بعض نساء النبي كان عندهن فضل من ثياب، كأم سلمة رضي الله عنها، ففي رواية لها قالت : بينا أنا مع النبي  مضطجعة في خميصة، إذ حضت، فانسللت فأخذت ثياب حیضی… . من هذه الرواية يظهر أن أم سلمة لديها ثياب تلبسها في فترة الحيض سوى لباسها المعتاد.

وما دامت الحاجة إلى الثياب ظاهرة وملموسة بهذا الشكل فلا عجب أن صارت تستعار. ففي حديث خولة بنت ثعلبة، التي نزلت فيها وفي زوجها سورة المجادلة  تقول: «فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله  فجلست بين يديه … . وكذلك كعب بن مالك ، يحدث حين تاب الله عليه بقوله: «… فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني ، نزعت ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستها وانطلقت إلى رسول الله …».

وما دامت الحاجة إلى الثياب تصل إلى حد استعارتها فلم يكن من المستغرب أن أصبحت صداقاً تستحل به الفروج.

فحين عرضت امرأة نفسها على رسول الله ، واعتذر قائلا: «ما لي في النساء حاجة»، قال رجل من الحاضرين: زوجنيها . فقال : «أعطها ثوبأ»، قال : لا أجد .

وجاء في رواية عند البخاري يقول فيها، قال عبد الله : كنا نغزو مع رسول الله ، وليس لنا شيء فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب .

وفي رواية عن مسلم «ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل» .

والثوب لا يقتصر في استخدامه على اللباس، ففي بعض الأحيان يكون أكفانا للموتى ، وخاصة الثوب الأبيض. فقد جاء عن رسول الله : «البسوا من ثیابکم البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» .

وفي رواية أخرى: «عليكم بالبياض من الثياب فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم» .

 ولدينا روايات كثيرة عن الأثواب التي كفن فيها رسول الله ، من هذه الروايات ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنه : کفن رسول الله بينة ، في ثلاثة أثواب يمانية بيض …

 وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنها، أن رسول الله و كفن في ثلاثة أثواب نجرانية. وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله  ، كفن في ثلاثة أثواب  بيض

سحولية من کرسف.

 وفي رواية لعائشة حول كفن رسول الله : «… ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية …» .

وعلى الرغم من كون الروايات تشير بكثرة إلى اليمن ونجران كمصادر رئيسية لصناعة الثياب، إلا أن بعض الناس في الحجاز وربما في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يصنعون ثيابهم بأنفسهم. فحين دنت وفاة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه واحتاج إلى كفن، قال له أحد الحاضرين : أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي .

أما بالنسبة لأثمان الثياب فليس لدينا معلومات مؤكدة عنها. ومن . المعلوم أن أثمانها تتوقف على نوعيتها وجودتها.

مما نعرفه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه اشترى ثوباً بثلاثة دراهم . وهذا الثمن لا يمكن اعتباره مقياسا لأثمان الثياب .

مما سبق يمكن القول إن الثوب اسم جامع لما يمكن أن يلبسه الرجال والنساء من اللباس، وأنه ليس المقصود بمسماه لباساً مخصوصاً بعينه .

والمعلومات السابقة تفيد أن الثوب يمكن أن يكون من الحرير والصوف والخز والقطن وغير ذلك من الألوان.

ولكن أحب تلك الألوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللون الأبيض.

وأخيرا فإن من الملاحظ هنا أن كل ما وقع عليه مسمى ثوب من النماذج التي عرضناها هي من النوع الذي لا يحتاج إلى تفصيل أو خياطة ، فالثوب هنا أكثر ما يكون شبها بالرداء والإزار والملحفة وما في حكمها .

 حتى أن عائشة رضي الله عنها في إحدى المناسبات أمرت لأحد ضيوفها من الرجال بملحفة صفراء، فنام فيها، فاحتلم… فغمسها في الماء، ثم أرسل بها فقالت عائشة : لم أفسد علينا ثوبنا…؟