كل شيئ عن شهر ذي القعدة وفضله

  الأشهر العربية

شهر ذي القعدة

وقد سمي هذا الشهر بهذا الاسم لقعودهم فيه عن القتال والترحال ، وهو من أشهر الحج والأشهر الحرم .

 يقول الإمام ابن کثیر – رحمه الله – ” وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ، ثلاثة  سرد وواحد فرد ، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحرم قبل أشهر الحج شهرا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال ، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك و حرم بعده شهرا آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين ، وحرم رجب في وسط الحول الأجل زيارة البيت والاعتبار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا “

 وقد ثبت أن رسول الله – ع – حاصر أهل الطائف في شهر ذي القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شوال ، ولا تنافي بين حرمة هذه الأشهر وبين مشروعية القتال فيها ، و شهر ذي القعدة ، هو أول الأشهر الحرم المتوالية ، كما أنه أول الحرم مطلقاً على قول بعض العلماء – والطاعات متأكدة في هذا الشهر ومن جملتها الصيام كما مر بنا ، فالواجب تعظيم حرمات الله فيه .

 ومن خصائصه كما ذكر ابن رجب – رحمه الله – أن عمر النبي – ع – كلها كانت في القعدة سوى عمرته التي قرنها بحجته مع أنه -ع – أحرم بها أيضاً في ذي القعدة وفعلها في ذي الحجة مع حجته وكانت عمَره – ع – أربعاً ، عمرة الحديبية ولم يتمها بل تحلل منها ورجع وعمرة القضاء من قابل وعمرة الجعرانة عام الفتح لما قسم غنائم حنين وقيل إنها كانت في آخر شوال والمشهور أنها كانت في ذي القعدة وعليه الجمهور ، وعمرته في حجة الوداع كما دلت عليه النصوص الصحيحة وعليه جمهور العلماء أيضاً.

 وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر وعائشة وعطاء تفضيل عمرة ذي القعدة وشوال على رمضان لأن النبي – – اعتمر في ذي القعدة وفي أشهر الحج حيث يجب عليه الهدي إذا حج من عامه لأن الهدى زيادة نسك فيجنمع نسك العمرة مع نسك الهدى ، ولذي القعدة فضيلة أخرى وهي أنه قد قيل إنه الثلاثون يوماً الذي واعد الله فيه موسى عليه السلام ، قال ليث عن مجاهد في قوله تعالى :

(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ) قال ذو القعدة ( وأتممناها بعشر ) قال عشر ذي الحجة ، وقد قيل إن تحريم ذي القعدة كان في الجاهلية لأجل السير إلى الحج ، ولازال الناس حتى يومنا هذا يتوافدون على بيت الله الحرام لتأدية فريضة الحج ويكون سيرهم وخروجهم في شهر ذي القعدة ، حيث تتوجه مجموعات كبيرة منهم لزيارة المدينة أولا ثم يعودون منها إلى مكة المكرمة – حماها الله – لتأدية المناسك ، ولذلك يشتد الحنين وتهفو النفوس وتتطلع القلوب لزيارة بيت الله الحرام ، كلما اقتربت أيام هذا الشهر المبارك ،

 وهذا الحنين لن ينقطع من النفوس المؤمنة قال تعالى: ( ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )

 و كلما تحرك ركب وانطلقت قافلة ، رفع المؤمنون أكف الضراعة لربهم ، أن ييسر لهم الحج ، بل وشمروا عن ساعد الجد أخذاً بالأسباب ، ولم لا فحاجة الإنسان إلى طاعة ربه أشد من حاجة السمك إلى الماء ، بل لا صلاح لنفسه ولا لقلبه إلا بالانتقال من طاعة إلى أخرى وأن يعيش حياة العبودية في كل آن و حين , قال تعالى( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) يحتاج لأن يهتف بلسان الحال والمقال ، لبيك اللهم لبيك … لبيك بحجة حقاً ، لبيك تعبداً ورقاً ، فالشوق إلى لقاء الله يشوقه إلى أسباب اللقاء ، والبيت مضاف إلى الله تعالى .

 وقد لا يجد المؤمن بعد صلاته وصيامه ما يقضي به شوقه إلا في الحج ، حيث يقفز من سجن ضيق إلى عالم فسيح ، يثور فيه على وثنية العادات والمألوفات ، يخرج وكله حب وقد تحرر من كل رق وثار على كل وثن وكفر باختلاف الجنس واللون والوطن وآمن بالله وحده ، وينتقل إلى بيت يزوره الناس من كل فج عميق وأوب سحيق شعثاً غبراً متواضعين الرب البيت مستكينين له خضوعا لجلاله ، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم.

 ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ولا تهتدى إلى معانيها العقول ، کرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية ، فلا باعث إلا الأمر المجرد ، وقصد الامتثال للأمر من حيث أنه أمر واجب الاتباع فقط ، ولذلك كان الحج من أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وبمثابة عرضة سنوية تضبط أعمال المسلمين وحياتهم ، وتجديد للصلة بإمام الملة الحنيفية والمحافظة على إرثه ، في حياة مليئة بالزخارف ، يمر الإنسان بينها كالساعي وعمره أشواطا محدودة يقطعها إطاعة لربه ، لا يمنعه إيمانه عن البحث و السعي ، ولا يمنعه سعيه عن التوكل على الله والثقة به ، فكن طوع إشارة ورهين أمر واسأل الله من فضله فلن يهلك مع الدعاء أحد .