المذهب الخيالي ( يوتوبيا) في السياسة

  مذاهب سياسية

يوتوبيا

المذهب الخيالي : يوتوبيا

يتبع أنصار تلك المذاهب المختلفة طرقاً متباينة ولكنهم ينادون بالإجماع آن هدفهم واحد : ( منمع صالح وحكومة كاملة رشيدة )

يتخذ أعوان الديمقراطية والاشتراكية والشيوعية والفاشية وغيرها من المذاهب القديمة والحديثة وسائل مختلفة في نشاطهم السياسي ولكنهم يرددون جميعاً أنهم إنما يهدفون إلى هدف واحد ، وغاية واحدة .

ويدعي كل فريق منهم أن رسالته التي انتهجها ، وخطته التي رسمها ، هما أفضل الوسائل وأنجح الخطط لخير البشرية على الإطلاق .

فإذا سلمنا جدلا بأن هناك مزايا في كثير من هذه المذاهب ، فإننا لا نتوقع أن يسلكها كلها أحد في سلك واحد من ناحية اكتمال مزاياها وبلوغها حد التمام والكمال في جميع العصور والدهور .

ذلك أن ما كان منها طيباً حينا من الدهر ، أو مؤاتياً في منطقة من مناطق العالم ، قد يصبح على نقيض ذلك ، خبیثا رجعياً ، في وقت آخر ، أو في ناحية أخرى .

لقد كان الناس يحلمون فما مضى بالهدف الخيالي ” يوتوبيا” التي تضم مجتمعاً صالحاً وحكومة كاملة رشيدة .

وتبين بعد المقارنة والتقصي ، أن الصورة الرمزية الخيالية عن حكومة رشيدة إنما تغير بمرور الوقت ، فتبهت جدتها ، وتفقد سناء لونها بتقلب الأيام والسنين .

ولم يحدث أن بلغ هذا التغيير الذي يعتري صورة الحياة في أحد المصور ذلك المعدل السريع الذي يعري أمثالها في العصر الذي نعيش فيه .

وقد يكون هناك اليوم رأي سديد ، وقد يظهر مذهب جدید ، يغدوعلى هذا القياس لا محل له من القول والاعتبار بعد خمسين أو مائة عام .

إن كلمة يوتوبها ، معناها لا محل له . وهي كلمة يونانية .

تحدث بها السير توماس مور السياسي الانكليزي أیام حكم الملك هنري السابع في القرن السادس عشر .

وأصبحت تلك الكلمة تعبر عن أمل في قيام حكم معنوي صالح ، تبين ، مع الأسف الشديد ، بمرور الوقت ، ان دون الوصول اليه خرط القتاد .

ولم يكن السير مور هو أول من تحدث بها ؛ فتد سبقة الفيلسوف افلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد ، إذ وضع كتاباً أسماه ” الجمهورية” ، وصف فيه . الحكم الصالح الرشيد ، ووضع نظام حكومة كاملة يراسها فريق من الفلاسفة ، أهل الراي .

وبلغ الأمر الذي تركه ذلك الكتاب في أذهان الناس درجة جعلتهم يعتقدون أن الحكومة التي قدمها اليهم افلاطون في كتابه قائمة حقا وموجودة فعلاً، وان مکانها قارة اطلانتيس حى أنها كانت تظهر في الخرائط المدرسية مئات من السنين بعد ذلك .

وليس للأهالي في اطلانتيس أملاك خاصة ، ومن صميم واجبات الحكومة في نظامها الذي وصفه افلاطون تربية النشء وثقيفهم ، على أنه كان يسمح للمواطنين بالتصويت في حرية دون ضغط أو تهديد أو توجيه مضاد .

وكان افلاطون في كتابه إنما يعتمد على حكة الفلاسفة الحاکمین .

وكان هؤلاء وغيرهم من جبابرة العقول في الأزمان الغابرة لم يلقوا بالاً إلى مشكلة . رجل الشارع الاقتصادية والسياسية ، حتى أتي البروفسور آدم سميث في القرن الثامن عشر فوضع لنا في الوقت الذي تم فيه مولد جمهورية الولايات المتحدة ، أصولاً ونظريات ضمنها كتابه “ثروة الأمم “،. وتركت تلك الأصول والنظريات آثارها على التفكير البشري إلى اليوم .

وكان أمهاً جميعاً تلك النظرية التي تقول بان التجارة والصناعة والزراعة لها أور بارز في رخاء الشعب ، واستمتاع الفرد بمستوى إنساني رفيع، إذا رفعت الدولة ولايتها وسلطانها عنها كلها .

يقولون ان هذا كان مقبولاً أيام آدم سميث ، أما اليوم فلم يعد يلقى الترحيب الذي يتمتع به من قبل .

ذلك أن التغييرات التي طرأت على الاقتصاديات ، وخاصة في تنمية الإنتاج الجماعي ، وتقوية الفكرة التعاونية – قد هدمت الجزء الأكبر من نظرية سميث.

على أنه لا مندوحه لنا من الاعتراف ان تلك النظرية ما زالت إلى اليوم متبعة في كثير من الحكومات والشعوب ، على الرغم من أن الكثرة المفكرة من رجال الاقتصاد يقولون بضرورة إدخال تعديلات عليها لتتمشى مع تلك المجتمعات الصاخبة في القرن العشرين .

 وأتي بعده مباشرة: “روبرت اوين” ، الذي نادی بوجوب الأخذ بيد الطبقة العالية بغية إصلاحها ، وكان هو نفسه صاحب أعمال ، واختط الوصول إلى أهدافه سنة فذة ، هي أن تكون الأجور متسارية ، دون نظر إلى جهود الفرد وقوة إنتاجه . وبدأ يطبق سنته على عاله ، ولكنها باءت بعد بضع سنین بالفشل الذريع .

على أن نظريات” اوين “، لعبت دوراً كبيراً في تقدم الحركة التعاونية والعمالية الحديثة .

وفي نفس الوقت ظهر “هنري دي سانت سيمون “، احد أشراف فرنسا ، ممن اشتركوا في الثورة الأميريكية وفي حرب الاستقلال ، و کرم الجزء الأكبر من حياته وجهوده في المناداة بالإصلاح الجماعي .

وكان مذهب سانت سون الجديد أول مذهب يقول بحماية الطبية العامة .

– فقد نادى في جراءة منقطعة النظير بوجوب تقويض دعائم الجتمع القائم حينئذ كله ، ثم إعادة بنائه من جديد ، على اسس جديدة

وناصره في ذلك البروفسور الفرنسي “شارل فوريير”

 وأقيمت التجربة بل التجارب العديدة .

وتم ذلك في هيئات صغيرة ، مجتمعات محدودة ، لا ينجاوز تعدادها الألفين من الأنفس ، وكلهم من المزارعين ، وطبق عليها جميعاً النظام الجديد . .

وانشنت مستعمرات خاصة في بروكفارم و ماساشوسیت ، ورید بانك ، ونيوجرسي ، وتكساس .. وفي مناطق اخرى كثيرة .

ولكنها كانت جميعا قصيرة العمر .

وخصصت صحيفة نيويورك تریبیون صفحاتها لنشر أنباء هذه الحركة ومتابعة نشاطها وتطوراها .

وتلی توماس كارليل في اسكتلندا كتابا من احد أعوان ذلك المذهب يقول فيه بل يستنصره :

( كلنا هنا في حيرة من أمر هذه المشروعات الإجتماعية ، ونظريات الإصلاح الاجتماعي العديدة المنتشرة بيننا ، وقل أن ترى رجلاً يستطبع الكتابة والقراءة دون أن يحمل في جعبته تصميمات عدة ، وخطوات أولية متبوعة شروع جدید مبتكر لإصلاح المجتمع ).

وفي خلال أحقاب الدهر المتعاقبة كان رجال الإصلاح يؤكدون للجماهير إمكان قيام حكومة “يوتوبيا “، الخيالية على حد اعتقادهم ، لو أن كل فرد قدر مسئولیته المعنوية قبل المجتمع الذي يعيش فيه ، وبهذا وحده يصبح في المستطاع الاستغناء عن حكومة صارمة  ، وعن قوانين اقتصادية قاسية ، لأن الأفراد حينئذ يقومون ، من تلقاء أنفسهم ، متطوعين ، بالعمل السليم على وجه يرضي الحق والعدالة .

وتطورت تلك الأبحاث والأصول والنظريات في نظر “بيير جوزيف برودون ” أحد الكتاب الفرنسيين المعروفين في القرن التاسع عشر حتى أطلق عليها إسم أصبح عاماً عليها في ذلك الحين ، هو : فلسفة الفقر .

ويقول برودون ، هذا الفرنسي الفوضوي ” ان الحكومات نقمة الله على البشرية ، وان الرقابة السياسية نصبح غير ذات موضوع لو عاد الناس إلى فلاحة الأرض ، وإلى الحياة ضمن مجتمعات محدودة التعداد ، كالمجتمعات الخالية ، التي قامت في الأزمان الغابرة “.

 ويعارض برودون في ذلك ، الصحفي الأميركي هنري جورج من كتاب القرن التاسع عشر كذلك ، إذ يرى أن ثمار الثورة الصناعية تؤتي أكلها بالمشروعات التي تعتمد على النشاط الفردي أو الجماعي الأهلي على السواء ، على أن يضاف اليها شيء حكومي واحد هو : الضريبة الوحيدة .

وفكرة الضريبة الوحيدة نبتت في انجلترا قبل ذلك ، فقد اقترحها توماس سبنسر في أوائل القرن التاسع عشر وتقضي بعدم تعدد جباية الأموال شريطة أن يعاد على المجتمع بالثروة المحصلة عن طريق هذه الجباية من نتاج الأرض ومن زيادة غلتها .

وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر وضع الكاتب الأميركي أدوار بيلامي کتاباً بعنوان : التطلع إلى الوراء .

وقد وصف فيه هدفه الخيالي ” يوتوبيا” .

وكان في الواقع يمد بصره إلى الأمام … سنين عديدة . كان يتخيل مدينة بوسطن وحياة سكانها عام ۲۰۰۰. فصور لنا مجتمعاً اشترك أفراده في امتلاك كل شيء .

وإن هذا المجتمع قد حشد من أفراده جيشاً أهلیاً للانتاج الصناعي وذكر أن الإدارة الرشيدة قد أسفرت عن رخاء ثابت دائم لا تعتريه هزات اقتصادية وأزمات مالية .

وأن العمال يبلغون سن التقاعد في الخامسة والأربعين .

ولو أن بيلامي يعيش اليوم في عصرنا الحاضر لمسخ هذه الصورة مسخاً ، أو أدخل عليها على الأقل تعديلات جوهرية . مثله في هذا مثل غيره من جاهدوا في سبيل الإصلاح الاجتماعي في أحقاب التاريخ المتتالية أمثال افلاطون وتوماس مور وفوريير وسانت سیمون وغيرهم من يجرون وراء الهدف الخيالي لحكومة رشيدة ومجتمع صالح ” يوتوبیا”.

وسوف يسترسل رجال الأصلاح وعلمماء الفكر في عصر الحديث وفي العصور القادمة في أحلامهم علهم يوفقون إلى رسم صورة حية لمجتمع كامل صالح ، كل على غرار تفكيره الشخصي ، ورأيه ، والوضع الزمني الذي يعيش فيه .

وسوف تجتذب هذه الأحلام الكثير من الأنصار ، كما اجتذبت المذاهب المعاصرة التي نحس آثارها في التفرقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ، أنصارها ومؤيدها .

والمطلوب أن يقارن المواطن المثقف العاقل هذه الآراء وتلك النظريات واحد واحد ، ثم يعود فيزنها كلها أمام النظم الحكومية المختلفة ، والمجتمعات المتباينة ، القائمة اليوم على أن لا تكون وجهته من هذه الموازية تكذيب بعضها ، أو التنديد بها، بل لأختیار ما قد يكون بينها نقياً خالصاً خليقاً بالاتباع ثم يطرح جانباً بعد ذلك ، تلك المذاهب الخطرة، الغير المنطقية ، والغير الممكن تطبيقها من الوجهة العملية .